ابن الأثير

465

الكامل في التاريخ

قوما أسفه منكم ، إنّا معشر العرب لا نستعبد بعضنا بعضا ، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى ، فكان أحسن من الّذي صنعتم أن تخبروني أنّ بعضكم أرباب بعض ، فإنّ هذا الأمر لا يستقيم فيكم ولا يصنعه أحد ، وإنّي لم آتكم ولكن دعوتموني اليوم ، علمت أنّكم مغلّبون وأنّ ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول . فقالت السّفلة : صدق واللَّه العربيّ . وقالت الدهاقين : واللَّه لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا ينزعون « 1 » إليه ، قاتل اللَّه أوّلينا حين كانوا يصغّرون أمر هذه الأمّة ! ثمّ تكلّم رستم فحمد قومه وعظّم أمرهم وقال : لم نزل متمكّنين في البلاد ظاهرين على الأعداء أشرافا في الأمم ، فليس لأحد مثل عزّنا وسلطاننا ، ننصر عليهم ولا ينصرون علينا إلّا اليوم واليومين والشهر للذنوب ، فإذا انتقم اللَّه منّا ورضي علينا ردّ لنا الكرّة على عدوّنا ، ولم يكن في الأمم أمّة أصغر عندنا أمرا منكم ، كنتم أهل قشف ومعيشة سيّئة لا نراكم شيئا ، وكنتم تقصدوننا [ 1 ] إذا قحطت بلادكم فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير ثمّ نردّكم ، وقد علمت أنّه لم يحملكم على ما صنعتم إلّا الجهد في بلادكم ، فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم ، وآمر لكلّ منكم بوقر تمر وتنصرفون عنّا ، فإنّي لست أشتهي أن أقتلكم . فتكلّم المغيرة فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال : إنّ اللَّه خالق كلّ شيء ورازقه « 2 » ، فمن صنع شيئا فإنّما هو يصنعه ، وأمّا الّذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك فنحن نعرفه ، فاللَّه صنعه بكم ووضعه فيكم وهو له دونكم ، وأمّا الّذي ذكرت فينا من سوء الحال والضيق والاختلاف فنحن نعرفه ولسنا ننكره ، واللَّه

--> [ 1 ] تصدّقوننا . ( 1 ) . يسرعون . B ( 2 ) . ووارثه . B